أبي منصور الماتريدي

173

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الأذن ؛ لأنه يوصل إلى الوعي من جهة الأذن ؛ إذ بالسمع يوعى ، والسمع من عمل الأذن ، ثم يقع المسموع فيما فيه يوعى ، وهو القلب ؛ فنسب الوعي إلى السمع ؛ لما يتطرق به إلى الوعي ، كما ذكرنا من إضافة اللباس إلى ما منه قدر اللباس ، وهو المطر ، وأضيف خلقنا إلى التراب ؛ لأن أصل ما منه قدر خلقنا هو التراب . وجائز أن يكون الله - تعالى - يجعل للقلوب آذانا بها تعي ، وأبصارا بها تبصر ؛ فيضيف الوعي إلى آذان القلوب ، ليس إلى آذان الرؤوس ، والله أعلم . وقيل : أُذُنٌ واعِيَةٌ أي : عقلت عن الله تعالى ، وانتفعت بما سمعت من كتابه ، وهي أذن المؤمن ، فأما أذن الكافر ؛ فإنها تسمع وتقذف ولا تعي ؛ لما لم يحصل لهم الانتفاع به ؛ ألا ترى أنه وصف آذانهم بالصمم ؛ لما لم ينتفعوا بالمسموع ، وكذلك قال : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [ آل عمران : 187 ] جعل تركهم الانتفاع به نبذا ؛ فعلى ذلك جعل الانتفاع به وعيا ، وكذلك المتعارف في الخلق أنهم إذا أرادوا الانتفاع بعلم أو شيء ، اجتهدوا في وعيهما وحفظهما . قوله تعالى : [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 13 إلى 18 ] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ( 14 ) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ( 15 ) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ( 16 ) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ( 17 ) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 ) وقوله - عزّ وجل - : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ فكأنهم سألوا : متى تكون الواقعة والحاقة والقارعة ؟ فأخبر عن ذلك بقوله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ، فجوابهم في قوله : فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ [ ثم ] « 1 » قد بيّنا أن الأسئلة كلها خرجت [ على بيان الوقت ، والله - تعالى - لم يبين لهم وقت كونه ، وإنما أجاب ] « 2 » عن الأحوال التي تكون في ذلك الوقت ؛ لما لا فائدة لهم في تبيين وقته ، ولا حاجة إلى معرفته ، وإنما الفائدة في تبيين أحواله ؛ لما يقع بها الترغيب والترهيب ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : نَفْخَةٌ واحِدَةٌ فجائز أن يكون على حقيقة النفخ . واحتمل أن يكون على قدر نفخة واحدة ؛ فتكون فائدته ذكر سهولة أمر البعث على الله - تعالى - لأن قدر النفخة مما يسهل على المرء في الشاهد ، ولا يتعذر . وجائز أن يكون ذكر النفخ ؛ لما أن الروح تدخل في أجسادهم ، وتنتشر فيها ، وذلك

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ .